فصل: مسألة الكعب الذي يجب إليه الوضوء:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة يد واحدة للمضمضة والاستنثار أيجزئ ذلك:

وسئل مالك عن يد واحدة للمضمضة والاستنثار، أيجزئ ذلك؟ فقال: نعم يجزئه ذلك إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن ذلك يجزئه، إذا قدر أن يمسك من الماء بكفه ما يكفيه لذلك كله، والاختيار أن يأخذ غرفة فيمضمض بها ويستنثر، ثم يأخذ غرفة أخرى فيمضمض بها ويستنثر أيضا، ثم غرفة ثالثة فيمضمض بها ويستنثر على ظاهر الحديث، فمضمض واستنثر ثلاثا، وإن شاء مضمض ثلاثا بغرفة واحدة أو بثلاث غرفات، ثم استنثر ثلاثا بغرفة واحدة أو بثلاث غرفات، الأمر في ذلك واسع، واتباع ظاهر الحديث أولى، والله أعلم وبه التوفيق.

.مسألة الاستنجاء بالعظم والحممة:

وسألته عن الاستنجاء بالعظم والحممة، فقال: والله ما سمعت فيه بنهي عام، وقد سمعته هكذا. فقلت له: فلا ترى به بأسا؟ فقال: أما في علمي أنا فلا أرى به بأسا، وقد سمعت الذي يقال هكذا.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذا المعنى في رسم سن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.

.مسألة البئر يقع فيه الهر فيموت فيه ما ينزف منها:

قيل له: أفرأيت البئر يقع فيه الهر فيموت فيه ما ينزف منها؟
فقال: الآبار تختلف، فمنها ما ينزف كل يوم، ومنها ما يكثر ماؤها يُستقى منها كل يوم فلا ينزف وتسع البير، فأرى أن ينزع منها قدر ما يطيبها. قلت: أرأيت ما عجن به من مائها من الخبز؟ فقال لي: أما أنا فأرى أن يطرحه أو يعلفه للدواب ولا يؤكل، ولقد جاءني قوم حديثا خبزوا خبزا بماء بئر من دارهم، ثم علموا أن الماء الذي عجن به ماتت فيه دابة من هذه الدواب فأمرتهم بذلك. قيل له: أرأيت من اغتسل به وتطهر حتى صلى صلوات، قال: أما نحن فنقول يعيد ما كان في الوقت، فإذا ذهب الوقت فلا إعادة عليه.
قال محمد بن رشد: وجه النزف من ماء البير التي ماتت فيه الدابة هو أنه يخشى أن يكون قد خرج من الدابة مع خروج نفسها شيء يكون على وجه الماء لا ينماع فيه، فلا يؤمن إذا لم ينزف من الماء شيء أن يحصل ذلك الشيء في المقدار الذي يتوضأ به الرجل. فإذا نزف من الماء شيء خرج ذلك الشيء فيما نزف وانماع بالنزف في الماء فطاب بذلك، ولهذا المعنى لم يكن لما ينزف من الماء حد، ووجب أن يكون على قدر قلة ماء البير وكثرته وعلى ما تطيب به النفس. وهذا إذا لم يتغير الماء بذلك، وأما إذا تغير منه فلابد أن ينزف منه حتى يذهب التغير. ومعنى ما تكلم عليه في هذه الرواية أن الماء لم يتغير من ذلك، ولذلك قال فيما صلى بالوضوء الذي توضأ من ذلك الماء: إنه لا يعيد إلا في الوقت. وأما قوله في الخبز الذي عجن بذلك الماء: إنه لا يؤكل، فهو مثل ما تقدم في الرسم الذي قبل هذا وعلى طريق التوقي والتحرز من المتشابه على ما ذكرناه في رسم يسلف من سماع ابن القاسم، وليس بحرام بين، فقد روى محمد بن يحيى السبائي عن مالك في المدنية أنه كره أكله إلا من حاجته إليه. وقال عيسى عن ابن القاسم: لا يحل أكله إلا إذا حلت له الميتة، وذلك الطعام بمنزلة الميتة فشدد في ذلك.

.مسألة يصيب امرأته أول الليل فيغتسل ثم يضاجعها ولم تغتسل هي:

وسئل مالك عن الذي يصيب امرأته أول الليل فيقوم فيغسل ثم يرجع فيضاجعها ولم تغتسل هي، أيغسل شيئا من جلده الذي مسه جلدها؟ فقال: لا، ولكن يتوضأ إذا قام.
قال محمد بن رشد: وهذا إذا التذ بمضاجعته إياها ولم يكن بجسدها أذى، وأما إن لم يلتذ بذلك ولا قصد الالتذاذ به فلا وضوء عليه باتفاق. وإن كان فيما مس جلده من جلدها أذى يخشى أن يكون قد أصاب جلده فلابد له أن يغسل ذلك الموضع الذي يخشى أن يكون قد أصابته النجاسة التي في جسدها على المشهور في المذهب أن ما شك فيه من نجاسة البدن فحكمه أن يغسل ولا يجزئ فيه النضح. وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

.مسألة الحائض والجنب من النساء أتخضب يدها وهي حائض أو جنب:

وسئل عن الحائض والجنب من النساء أتخضب يدها وهي حائض أو جنب؟ فقال: نعم، وذلك مما كان النساء يتحرينه لئلا ينقصن خضابهن للطهر للصلاة.
قال محمد بن رشد: وهذا مما لا إشكال في جوازه ولا وجه لكراهيته؛ لأن صبغ الخضاب الذي يحصل في يدها لا يمنع من رفع حدث الجنابة أو الحيض عنها بالغسل إذا اغتسلت، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لخولة بنت يسار في الموضع النجس بدم الحيض: «يكفيك الماء ولا يضرك أثره»، فكيف بهذا؟

.مسألة الرجل يتوضأ وييبس ثيابه ثم تأتيه امرأته فتغلبه على نفسه:

وسئل عن الرجل يتوضأ وييبس ثيابه ثم تأتيه امرأته فتغلبه على نفسه حتى تقبله وهو يشتمها ويكره ذلك منها ولا يجد له لذة ولا شيئا ولا يحب ذلك منها وهو له كاره، أترى عليه الوضوء؟ قال: نعم أرى عليه الوضوء، ولقد استفتاني ابن النبل عن ذلك فأمرته بالوضوء. قيل له: فمس ساقها أو عضدها ألا ترى عليه الوضوء؟ قال: نعم إلا أن لا يجد لذلك لذة ولا شيئا والوضوء يسير. قال مالك: وقد قالت عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كنت أغرف أنا ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من إناء». قال مالك: ولا خير في هذا التقزز والتنجس إنما هو من الشيطان، ولم أر أحدا كان أخف وضوءا من ربيعة. قال مالك: وكان يقال: إن الشيطان إذا يئس أن يطاع أو يعبد أتى الإنسان من هذا الوجه.
قال محمد بن رشد: أما إيجابه الوضوء عليه من القبلة وإن لم يلتذ بها ولا قصد الالتذاذ بها فهو دليل ما في المدونة، وقول أصبغ في الواضحة، ولا يحمله القياس؛ لأن القبلة من الملامسة التي عناها الله بقوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43]. والمعنى في وجوب الوضوء بها عند من أوجبه هو وجود اللذة بها وما يخشى من أن تكون اللذة قد حركت المذي من موضعه وأخرجته إلى قناة الذكر، فإن لم يلتذ بها ولا قصد الالتذاذ بها فالأظهر أن لا وضوء عليه، وهو قول مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم في الواضحة. ووجه ما في الرواية من إيجاب الوضوء فيها وإن لم يلتذ بها ولا قصد الالتذاذ اتباع ظواهر الآثار التي جاءت في إيجاب الوضوء من القبلة مجملة دون تفصيل، وكأنه يعد عنده أن لا يكون التذ بها. وقوله بإثر ذلك: فمس ساقها أو عضدها أترى عليه الوضوء؟ قال: نعم إلا أن لا يجد لذلك لذة شيئا، معناه أنه مس ذلك منها لحاجة على غير شهوة ولا إرادة لذة؛ بدليل احتجاجه على ذلك بقول عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «كنت أغرف أنا ورسول الله من إناء واحد». وموضع الحجة في ذلك أنهما إذا كانا يغرفان من إناء واحد قد تتماس أيديهما فيتماديان على وضوئهما ولا يبتدئانه. فلو قال في جواب المسألة قال: لا إلا أن يجد لذلك لذة شيئا لكان أليق وأولى، وإن كان ذلك عند الاعتبار والتحقيق سواء. ولما ذكر قول عائشة زوج النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «كنت أغرف أنا ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من إناء واحد» تذكر قول من يقول في الرجل والمرأة: إنه لا يتوضأ أحدهما من فضل وضوء صاحبه، فقال: ولا خير في هذا التقزز والتنجس إنما هو من الشيطان إلى آخر قوله. وقد مضى له نحو هذا والقول عليه في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم.

.مسألة الرجل يكثر عليه المذي أيتوضأ لكل صلاة:

وسئل مالك فقيل له: أرأيت رجلا قد كثر عليه المذي فليس يفارقه منذ كذا وكذا سنة لا يفارقه، أيتوضأ لكل صلاة؟ قال: بلغني أن سعيد بن المسيب كان يقول: لو سال على فخذي ما انصرفت. فقيل لمالك: فما تقول أنت؟ قال: أرى أن يترك هذا ولا يلتفت إليه، فإن هذا من الشيطان، وأرجو أن يكون في تركه ذلك قطع له عنه وقد كان من مضى يأمرون إذا كثر مثل هذا أن يترك ويتهاون به ولا يلتفت إليه. قال: وكان يقال: إن الشيطان إذا يئس أن يطاع أو يعبد أتى الإنسان من هذا الوجه حتى يُلَبِّس عليه دينه.
قال محمد بن رشد: هذا إنما هو إذا كثر عليه المذي ودام به من أبردة، وقد اختلف إذا كثر عليه ودام به وتكرر عليه من طول عزبة دون تذكر، فقيل: إن ذلك بمنزلة إذا كثر عليه من أبردة لا شيء عليه إلا أنه يستحب له أن يتوضأ لكل صلاة، وقيل: عليه أن يغسل ذكره ويتوضأ واجبا بمنزلة إذا وجد ذلك عند التذكار، والقولان قائمان من المدونة من اختلاف الرواية فيها. قال في الرواية الواحدة: وإن كان ذلك من طول عزبة إذا تذكر، فدل ذلك أنه إذا كثر عليه المذي من طول عزبة دون أن يتذكر فلا شيء عليه بمنزلة أن لو كان ذلك من أبردة، وقال في الرواية الأخرى: وإن كان من طول عزبة أو تذكر فدل ذلك على أنه إذا كثر عليه من طول عزبة فعليه أن يغسل ذكره ويتوضأ بمنزلة إذا وجد ذلك عند التذكار.

.مسألة الرجل يمس شعر امرأته أو جاريته تلذذا:

وسئل عن الرجل يمس شعر امرأته أو جاريته تلذذا، فقال: إن مسه تلذذا فأرى أن عليه الوضوء، وإن مسه لغير ذلك استحسانا أو غيره لم أر عليه وضوءا، وما علمت أن أحدا يمس شعر امرأته تلذذا.
قال محمد بن رشد: الشعر لا لذة في لمسه بمجرده، فيحتمل أن يكون أراد بقوله: إن مسه متلذذا فأرى أن عليه الوضوء إذا مسه على جسمها فيكون في مسه بمنزلة من لمس امرأته أو جاريته على ثوب متلذذا بذلك فالتذ أن عليه الوضوء باتفاق في المذهب، إلا أن يكون الثوب كثيفا. وأما إن مسه على غير جسمها فلا يجب عليه الوضوء وإن التذ بذلك واشتهى إلا على ما ذهب إليه ابن بكير أن التذكار مع وجود اللذة دون لمس يوجب الوضوء، فهذا وجه هذه الرواية عندي، والله أعلم.

.مسألة الثوب يكون فيه الدم فيتجفف فيه المغتسل:

وسئل عن الثوب يكون فيه الدم فيتجفف فيه المغتسل، أيغسل الثوب وما أصاب جسده منه؟ فقال: ذلك يختلف، أما الدم اليسير الذي لا يخرج منه بالتجفيف شيء فلا شيء عليه فيه ولا في جسده ولا في الثوب إلا غسل موضع الدم من الثوب. وأما الدم الكثير الكثيف الذي يخاف أن يكون التجفيف فيه قد بله فأخرج منه ما أصاب جسده فإني أرى أن يغسل جسده أو ما أصاب ذلك منه. قيل له: أفيغسل الثوب؟ قال: ما أرى ذلك عليه إلا أن يكون خرج منه شيء فأصاب الثوب فيغسل ذلك الدم وما خرج منه فأصاب الثوب. قيل له: أفيعيد الصلاة؟ قال: لا أرى ذلك، قال الله عز وجل: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145].
قال محمد بن رشد: قوله: وأما الدم الكثيف الذي يخاف أن يكون التجفيف فيه قد بله فأخرج منه ما أصاب جسده فإني أرى أن يغسل جسده أو ما أصاب ذلك منه، يدل على أن من شك في نجاسة جسده يغسله ولا يجزيه نضحه بخلاف الثوب، وهو دليل رواية علي بن زياد في المدونة. والدليل على أن ما شك في نجاسته من الجسد يغسل، قول النبي عليه السلام: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»، وقوله للذي سأله لعلي: «اغسل ذكرك وأنثييك». فأمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغسل أنثييه لما يخشى أن يكون قد أصابه من المذي لانفراشه. والدليل على أن ما شُك في نجاسته من الثياب يجزئ فيه النضح، نضح أنس بن مالك للنبي عَلَيْهِ السَّلَامُ الحصير الذي صلى عليه، ونضح عمر بن الخطاب ما لم ير في ثوبه من الاحتلام إذ غسل ما رأى منه.

.مسألة الغسل من الماء الساخن من الحمام إذا أراد أن يخرج:

وسئل عن الغسل من الماء الساخن من الحمام إذا أراد أن يخرج، فقال: ما يعجبني ذلك، والغسل من البئر أحب إلي. فقيل له: إنه يكون الشتاء فيكون البرد فيغتسل لخروجه بماء الحمام السخن، فقال: والله ما دخول الحمام بصواب، فكيف يغتسل من ذلك الماء؟
قال محمد بن رشد: أما كراهية الاغتسال من الماء السخن من الحمام فلوجهين: أحدهما: أنه يسخن بالأقذار والنجاسات، والثاني: أنه تختلف فيه أيدي الناس لأخذ الماء منه، فربما تناول أخذه بيده من لا يتحفظ بدينه. وأما كراهيته لدخوله وإن دخله مستترا مع من يستتر فمخافة أن يطلع على عورته أحد بغير ظن؛ إذ لا يكاد يسلم من ذلك من دخله مع الناس لقلة تحفظهم. وأما دخوله غير مستتر أو مع من لا يستتر فلا يحل ذلك، ومن فعله فذلك جرحة فيه وقدح في شهادته. وقد سأل أصبغُ ابنَ القاسم عن دخول الحمام، فقال: أما إن وجدته خاليا أو كنت تدخل مع النفر يسترون ويتحفظون لم أر بدخوله بأسا. وإن كان يدخله من لا يبالي لم أر أن تدخله وإن كنت أنت متحفظا في نفسك. قال أصبغ: وأدركت ابن وهب يدخله مع العامة، ثم ترك ذلك، ثم كان يدخله مخليا. وقعت رواية أصبغ هذه في الجامع، وبالله التوفيق.

.مسألة يكون معه الماء القليل في السفر فيخاف إن توضأ به العطش أيتيمم:

وسئل عن الرجل يكون معه الماء القليل في السفر فيخاف إن توضأ به العطش أيتيمم؟ قال: نعم، لا بأس بذلك، إذا علم الله ذلك من قلبه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن خوفه على نفسه الهلاك إن توضأ بالماء الذي معه يبيح له التيمم، كما لو كان الماء منه قريبا وخشي على نفسه إن ذهب إليه ليتوضأ منه لجاز له التيمم. وهذا ما لا خلاف فيه، وقد تقدم هذا المعنى في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم.

.مسألة أيطلب الماء في الرفقة قبل أن يتيمم:

قيل له: أفترى أن يطلب الماء في الرفقة قبل أن يتيمم؟ فقال: أما الشيء القريب والأمر المعروف فنعم.
قال محمد بن رشد: قد تكرر هذا المعنى في أول رسم من هذا السماع، ويأتي منه في سماع أبي زيد، وقد تقدم القول عليه في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم.

.مسألة الجنب يدخل يده في ماء مركن قبل أن يغسل يده ثم يغتسل ويلبس ثيابه:

وسئل عن جنب أدخل يده في ماء مركن قبل أن يغسل يده، ثم اغتسل ولبس ثيابه، أترى ذلك مجزيا عنه؟ قال: نعم، مجزئ عنه لا بأس به إذا لم يكن كان بيده دنس حين أدخلها الماء.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذا المعنى في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم، وفي رسم البز منه، ويأتي في هذا السماع بعد في موضعين، وفي سماع موسى بن معاوية.

.مسألة المتوضي للصلاة يوضئ ذراعه اليسرى أو رجله اليسرى قبل اليمنى:

وسئل عن المتوضي للصلاة يوضئ ذراعه اليسرى أو رجله اليسرى قبل ذراعه اليمنى أو رجله اليمنى، أيجزئ ذلك أم يستأنف الوضوء؟ قال: بل أرى ذلك واسعا.
قال محمد بن رشد: قوله: بل أرى ذلك واسعا؛ أي أراه في سعة مما قد فعل فلا يستأنف الوضوء؛ إذ ليس ذلك من واجباته، وإن كان لا ينبغي له أن يفعل ذلك ابتداء. وهو كما قال؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: 6] فذكر الوجه قبل اليدين، وذكر اليدين معا، وإنما بدئ اليمين منهما على الشمال استحبابا للسنة. وقول علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود: ما نبالي بدأنا بأيماننا أو بأيسارنا معناه: لا نبالي بذلك مبالاة من قدم بعض أعضاء الوضوء على بعض، فلا يدل ذلك على نفي استحباب غسل اليمين قبل الشمال، وبالله التوفيق.

.مسألة لا تمسح الأرجل إنما تغسل:

وسئل عن قول الله عز وجل: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] أهي أرجلَكم أو أرجلِكم؟ قال: إنما هو الغسل وليس بالمسح، لا تمسح الأرجل إنما تغسل. قيل له: أفرأيت من مسح أيجزئه ذلك؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: أضرب مالك رَحِمَهُ اللَّهُ عما سئل عنه من قراءة: {وأرجلكم} إن كان بالنصب أو بالجر، وقصد إلى المعنى المراد بذلك، فقال: إنما هو الغَسْل وليس بالمسح؛ لأنه الذي ثبت عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قولا وعملا، وأجمع عليه علماء المسلمين في جميع الأمصار. وما روي في ذلك مما يتعلق به من يذهب إلى إجازة المسح من المبتدعين لا يثبت، ولو ثبت لكان مما يقضي بنسخه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «تخلف عنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفرة سافرناها فأدركنا، وقد أرهقتنا صلاة العصر ونحن نتوضأ ونمسح على أرجلنا فنادى: ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثا» ومن زعم أن سقوطهما في التيمم يدل على أنهما يمسحان كالرأس؛ إذ لم يسقط فيه ما كان يغسل، ينتقض قوله بغسل البدن من الجنابة، فإنه يسقط في التيمم مع عدم الماء ويجب غسله بالماء عند وجوده.
وأما قراءة من قرأ: {وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6]، فمن قرأها بالنصب عطفا على اليدين فهو الغسل لا كلام فيه؛ لأن الشيء يعطف على ما يليه وعلى ما قبله، وهو كثير موجود في القرآن ولسان العرب. وأما من قرأ: {وأرجلِكم} بالخفض ففي قراءته لأهل العلم أربعة أوجه: أحدها: أنها معطوفة على اليدين وإنما خفضت للجوار والاتباع، كما قالوا: جحر ضب خرب، وقد قرئ: {يرسل عليكما شواظ من نار ونحاسٍ} بالخفض، والثاني: أنهما معطوفتان على مسح الرأس وأن الغسل إنما وجب بالسنة، والثالث: أن المراد بذلك المسح على الخفين، والرابع: أن الغسل يسمى مسحا عند العرب؛ لأنها تقول: تمسحنا للصلاة، فبين النبي، عليه السلام، أن مراد الله تعالى بقوله: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] إمرار اليد عليه دون نقل الماء إليه، وأن مراده بأمره بغسل الرجلين إمرار اليد عليهما مع نقل الماء إليهما، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يتزوج المرأة النصرانية أيكرهها على الاغتسال من الجنابة:

وسئل عن الرجل يتزوج المرأة النصرانية، أله أن يكرهها على الاغتسال من الجنابة؟ فقال: لا، ما علمت ذلك له. قال: وسألته عن اغتسال النصرانية من الحيضة أيجبرها عليه زوجها؟ قال: ليس ذلك له.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه الرواية: إن الرجل لا يجبر زوجته النصرانية على الاغتسال من الحيضة خلاف قوله في المدونة أن يجبرها على ذلك من أجل أن الحائض عنده لا توطأ إذا طهرت من الدم حتى تغتسل بالماء، والاختلاف في هذا جارٍ على اختلافهم في الكفار، هل هم مخاطبون بشرائع الإسلام أم لا؛ لأن المسلم أُمر أن لا يطأ من يجب عليها الغسل من الحيضة حتى تغتسل منها، فإذا كانت النصرانية لا يجب عليها الغسل منها على القول بأنها غير مخاطبة بذلك كانت في حكم من قد اغتسل، وجاز لزوجها وطؤها، فلم يكن له أن يجبرها على الاغتسال. وإذا كان الغسل عليها واجبا منها على القول بأنها مخاطبة بالشرائع لم يكن للزوج أن يطأها حتى تغتسل كالمسلمة سواء، فكان له أن يجبرها على الاغتسال.
فإن قيل: فما فائدة إجبارها على الاغتسال والغسل لا يجزئ عنده إلا بنية والنصرانية لا تصح منها نية؟
قيل له: النية إنما تشترط في صحة الغسل للصلاة، وأما للوطء في حق الزوج فلا؛ لأنه متعبد بذلك فيها مأمور باغتسالها قبل الوطء، وما كان من العبادات يفعلها المتعبد في غيره لم يفتقر في ذلك إلى نية، كغسل الميت وغسل الإناء سبعا من ولوغ الكلب فيه، ومن وضأ غيره فلا نية على الموضِّئ وإنما النية على الموضَّأ. وكذلك لو كانت لرجل زوجة مسلمة فأبت من الاغتسال من الحيضة لجاز له أن يطأها إذا أكرهها على الاغتسال وإن لم يكن لها فيه نية وكانت هي قد خرجت دونه في ذلك ولزمها أن تغتسل غسلا آخر للصلاة بنية؛ إذ لا يجزئها الغسل الذي أكرهت عليه إذا لم يكن لها فيه نية. وقد قيل: إنه إنما لم ير في هذه الرواية أن يجبرها على الاغتسال من أجل أن الغسل لا يجزئ إلا بنية وهي ممن لا تصح منها نية، وأنه إنما قال في المدونة: إنه يجبرها على الاغتسال مراعاة لقول من يقول: إن الغسل يجزئ بغير نية. والتأويل الأول هو الصحيح. وقد ذهب ابن بكير إلى أن الامتناع على مذهب مالك من وطء الحائض إذا طهرت من الدم إلى أن تتطهر بالماء استحبابٌ لتمضي النية خالصة للاغتسال من الحيضة دون الجنابة، بدليل رواية أشهب هذه؛ إذ أجاز له فيها وطء النصرانية إذا طهرت من الدم دون أن تغتسل بالماء، فلم ير من حقه أن يجبرها على الاغتسال، وليس ذلك بِبَيِّن؛ لأن المعنى في الرواية إنما هو ما ذكرناه من أنه أجاز له وطأها قبل أن تغتسل؛ إذ لا يجب الغسل عليها على القول بأن الكفار غير مخاطبين بالشرائع.
والظاهر من مذهب مالك أن وطء المرأة إذا طهرت من الدم قبل أن تغتسل محظور لا مكروه، بدليل قول الله عز وجل: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222]؛ لأن المعنى عنده في ذلك، والله أعلم: ولا تقربوهن حتى يطهرن بالماء، فإذا تطهرن به؛ إذ قد قرئ: {ولا تقربوهن حتى يطَّهَّرن} بتشديد الطاء والهاء، وهي القراءة المختارة؛ لأن المعنى يدل على أن الطهر الأول هو الثاني إما من الدم وإما بالماء، فمن حملهما جميعا على أن المراد بهما التطهر بالماء؛ إذ هو الأظهر من التفعل أن يراد به الاغتسال بالماء لم يجز وطء الحائض حتى تغتسل بالماء وهو الظاهر من مذهب مالك على ما ذكرناه، ومن حملهما جميعا على أن المراد بهما الطهر من الدم؛ إذ قد يعبر عن الطهر من الدم بالتطهر، كما يقال تكسر الحجر وتبرد الماء، أجاز الوطء إذا ارتفع الدم قبل أن تغتسل بالماء، وإلى هذا ذهب ابن بكير؛ لأن الاستحباب راجع إلى نفي الوجوب، وهو الأظهر في المعنى والقياس؛ لأن العلة في منع وطء الحائض وجود الدم بها، بدليل قول الله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]، فإذا ارتفعت العلة بزوال الدم جاز الوطء. وأما قول من قال: إن معنى قول الله، عز وجل: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] أي من الدم. {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222] أي بالماء، فهو بعيد؛ لأن الله أباح وطْأَهن إذا طهرن بقوله: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] ثم بين الوطء الذي أباحه إذا طهرن بقوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222] أي على الوجه الذي أذن الله فيه، فلو كان الطهر الأول من الدم والثاني بالماء لجاز بالأول ما لم يجز بالثاني؛ لأنه أطلق الأول بقوله: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، وقيد الثاني بقوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222]، وهذا لا يصح أن يقال، ولا يستقيم في الكلام: لا تفعل كذا حتى يكون كذا فإذا كان كذا لشيء آخر فافعله، وهذا بَيِّن.
وعن مالك في إجبار النصرانية على الاغتسال من الحيضة ثلاث روايات: إحداها: رواية أشهب هذه أنه لا يجبرها على الاغتسال من الحيضة ولا من الجنابة، والثانية: أنه يجبرها على الاغتسال من الحيضة ولا يجبرها على الاغتسال من الجنابة، وهو قوله في المدونة، والثالثة: أنه يجبرها على الاغتسال من الحيضة والجنابة. وقد مضى وجه الاختلاف في إجبارها على الاغتسال من الحيضة، وأما الاختلاف على إجبارها على الاغتسال من الجنابة فليس على ظاهره، والمعنى في ذلك: أنه لا يجبرها على الاغتسال إذا لم يكن بجسدها أذى؛ إذ يجوز له وطؤها قبل أن تغتسل، ويجبرها على الاغتسال إذا كان بجسدها أذى من الجنابة ليباشرها طاهرة الجسم من النجاسة فلا ينجس بذلك، والله أعلم وبه التوفيق.

.مسألة الوضوء قبل الطعام:

وقال لنا: دعا عبد المالك بن صالح بوضوء قبل الغداء فتوضأ ثم قال: ناولوا أبا عبد الله، فقلت: لا حاجة لي به ليس من الأمر، فقال لي: أفترى أن أتركه؟ فقلت له: نعم، فما عاد إليه.
قال محمد بن رشد: يريد أنه ليس من الأمر الواجب الذي يأثم من تركه بتركه، وقد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يدل على الترغيب فيه، من ذلك قوله: «الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم»، وإجماعهم على أن النظافة مشروعة في الدين يدل على ذلك أيضا، وما جاء عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أنه كان إذا توضأ يغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه هو من هذا المعنى.

.مسألة الكعب الذي يجب إليه الوضوء:

وسئل عن الكعب الذي يجب إليه الوضوء، فقال: هو الكعب الملتزق بالساق والمحاذي العقب، وليس بالظاهر في ظهر القدم.
قال محمد بن رشد: ما قال مالك رَحِمَهُ اللَّهُ في هذه الرواية أصح ما قيل في الكعب، والدليل على صحته حديث النعمان بن بشير قال: «أقبل علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم، قال فلقد رأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه». وقد قيل: الكعب هو الظاهر في ظهر القدم، وقيل: هو الدائر بمغرز الساق، وهو مجتمع العروق في ظهر القدم. وقال محمد بن الحسن: في القدم كعب وفي الساق كعب، ففي كل رجل كعبان، والعرقوب مجمع مفصل الساق من القدم، والعقب تحت العرقوب.

.مسألة الرجل يدنو من أهله فيصيبها ما دون الختان فينزل على ذلك منها:

وسألته عن الرجل يدنو من أهله فيصيبها ما دون الختان فينزل على ذلك منها، فيداخلها من مائه ولم تلتذ هي بشيء من ذلك، أعليها فيما داخلها من مائه غسل؟ فقال لي: وما يدريها أن ذلك دخلها، هي لا تعلم هذا، ولكن إن كانت التذت بذلك فعليها الغسل. فقلت له: إنها لم تلتذ بذلك ولكن ماء دخلها، أفترى عليها في ذلك غسلا؟ فقال: هي لا تعلم هذا أبدا ولا تعرفه، ولكن إن كانت التذت فلتغسل، فقلت له: أفرأيت إن كان هذا أمرا لا يُعلم فشكت أفترى تغتسل؟ فقال لي: لا، ولكن إن كانت التذت فلتغتسل.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الروايات أنها إن التذت بذلك وجب عليها الغسل، وقال في المدونة: إذا التذت يريد بذلك أنزلت. وفي الآثار التي فيها عن يزيد بن أبي حبيب وعطاء بن دينار ومشايخ من العلماء والليث بن سعد أنه إذا دخلها من مائه شيء فقد وجب عليها الغسل، فالظاهر أنها ثلاثة أقوال، والأصح منها أنه لا غسل عليها إلا أن تنزل؛ لأنها لم توطأ، فلا يجب عليها الغسل إلا بالإنزال أو مجاوزة الختان، كما لا يجب على الرجل الغسل إلا بأحد هذين الوجهين وبالله التوفيق.